ليست كل الروايات تشفيك.. أحيانًا، هناك رواية تهشّمك من حيث لا تدري..”
إحسان عبد القدوس وكتاباته.. تلك الروايات التي تغوص في أعماق النفس البشرية، لا لتكشف الجمال، بل لتُظهر الدناءة في أوضح صورها.
ربما ليست كل رواياته بهذا العمق أو القسوة، لا أستطيع الجزم.. فالحقيقة أنني قرأت له مرة واحدة فقط، ولن أكرر التجربة أبدًا.
ولماذا لن أكررها؟
ليس لأن الرواية كانت سيئة، أو لأن أسلوبه ضعيف أو الحبكة مملة، بل لأن حالتي النفسية لم تكن، ولن تكون، قادرة على تحمّل ما شعرت به وقتها.
دعني أروي لك قصتي مع إحسان عبد القدوس.
في السنة الثانية أو ربما الثالثة من دراستي الجامعية؛ لا أذكر تحديدًا، كانت سنة شديدة الصعوبة والضغوطات، أتذكر ذات يوم كيف دخلت دكتورة إحدى المحاضرات واقترحت:
“ما رأيكم في مسابقة؟ اقرأوا رواية، وقدموا ملخصًا لها في ثلاث صفحات.. وصاحب أفضل ملخص له جائزة".
كانت مبادرة لطيفة، وبدت لي فرصة لأتنفس قليلًا بعيدًا عن زحام الدراسة وشعرت بحماس داخلي، وقررت المشاركة.
وقد كان؛ وقع اختياري على رواية بعنوان “لا أنام”.
وما كنت أعرف حينها أن الرواية فعلًا ستجعلني لا أنام!
لا أتذكر كل التفاصيل بدقة، فقد مر على تلك التجربة ما يقرب من سبع أو ثمان سنوات، لكن أتذكر الخطوط العريضة والكارثية جيدًا.
نادية، بطلة الرواية، فتاة مراهقة تعيش مع والدها بعد وفاة والدتها (أو ربما طلاقها؟ لا أذكر).
لكن هذه لم تكن المشكلة.
المشكلة بدأت حين تحولت علاقة نادية بوالدها إلى هوس.. أرادت امتلاكه، كأن لا أحد سواها يحق له أن يحبه أو يقترب منه.
وحين قرر الزواج من امرأة طيبة ومحترمة، لم تتردد نادية في تلفيق تهمة خيانة لهذه السيدة، فقط لتُخرجها من حياتهم.
كل هذا وهي، من وراء الستار، على علاقة غرامية برجل يكبرها بسنوات وسنوات!
في الحقيقة، ما كانت نادية تعانيه ليس حبًا بريئًا أو غيرة عابرة، بل ما يُعرف نفسيًا بـ “عقدة إليكترا”؛
تلك الحالة التي تشعر فيها الفتاة بتعلق شديد بوالدها وغيرة من أمها، لدرجة تعتبر فيها الأم خصمًا ومنافسًا على حب الأب.
هي مرحلة يمر بها بعض الأطفال، لكنها عندما لا تُحلّ، يمكن أن تتحول إلى هوس مؤذٍ، تمامًا كما حدث مع نادية.
ولا تتوقف الكوارث عند هذا الحد فالرواية تصحبنا في رحلة حياة نادية: المراهقة، ثم الناضجة، ثم المرأة التي هدمت كل من حولها بعُقدها النفسية.
يا إلهي، ما زلت أذكر شعوري وأنا أقرأ: ضيق في التنفس، انقباض في القلب، اختناق.
كأنني أُجبر على مشاهدة انهيار كل من يحيط بها، بلا قدرة على إيقافها.
ورغم هذا، عنادي جعلني أكمل الرواية حتى الصفحة الأخيرة.. لكنني سرعان ما ندمت على ذلك.
فبدلًا من أن تكون تجربة تخفف عني، دخلت بعدها في موجة اكتئاب شديدة.. الرواية كانت مأساوية إلى حد مؤلم، ولا أبالغ حين أقول إنها خنقتني نفسيًا.
وللمفارقة، رغم أنني أنهيت الرواية، لم أشارك في المسابقة.
لم أستطع كتابة ثلاث صفحات عن أحداثها.. جزء مني رفض استعادة هذا الثقل مرة أخرى.
لكنني اليوم، أكتب عنها مقالًا كاملًا، ولا يزال ذلك الإحساس الثقيل يرافقني بين كل سطر وسطر.
أظن أن إحسان عبد القدوس دون أن يقصد قد أصابني بصدمة نفسية.
لا أعلم إن كان لها اسم علمي، أو أنني ببساطة انغمست بقوة في الأحداث، لدرجة أن أذى نادية طالني أنا أيضًا!
لهذا السبب، عزيزي القارئ، أنا لم ولن أقرأ له مرة أخرى.
وفي النهاية؛ لا أُنكر موهبة إحسان عبد القدوس، ولا عمق شخصياته، ولا جرأته في سبر أغوار النفس البشرية.
لكني تعرضت مع “لا أنام” لتجربة لم أكن مهيأة لها نفسيًا، تجربة خرجت منها أكثر اختناقًا مما دخلت.
ربما بالنسبة للبعض، الأدب يجب أن يُزعزعك من الداخل ويحرك المسكوت عنه.. لكن بالنسبة لي، لا أريد أن أُجرح في عمقي لأُدرك براعة كاتب.
بعض التجارب تُقرأ مرة واحدة فقط، ثم نُغلق الباب خلفها.. بهدوء، ولكن بإحكام.
وأنت يا عزيزي القارئ، هل مرت بك رواية لم تستطع الخروج منها سالمًا؟


انا زيك مش بعرف اقرأ لإحسان بس بعشق عقليته عقليه متقدمة جدا ومتفتحه، هقولك نصيحه مني اقرأي سيرته الذاتيه ممتعه جدا وهتعرفي الراجل ده ليه كان مختلف وسابق عصره ومؤثر في المجتمع بشكل كبير
انا قارئة قرات العديد و العديد من الروايات اعرف شعورك جيدا ان يكون الانسان منهكا مثلما كنتي من ضغط الدراسة ثم تقرا رواية ثقيلة فهو ليس بتصرف جيد ههه و لكن من خلال انغماسك في القرائة وطريقة سردك اسمحي لي ان اقول لك انك قارئة جيدة فالقارئ يجب عليه ان ينغمس في الرواية ليست اسطر في كلمات بل هو عالم مبني متكامل
لدي بعض الروايات عندما ارجع اقرائها فاني ارى عالمهم كما تركته تجربتك قاسية وفي فترة مشحونة و لكنك قارئة جيدة