مؤخرًا، وجدتُ نفسي أعيش حالة غريبة: عقلي مُنهك، والتفكير صار عملية مرهقة بحد ذاته.
الصدمة الحقيقية جاءت عندما أمسكتُ رواية طال انتظاري لقراءتها منذ أشهر، لكن بدلًا من الاستغراق في عالمها، ظللت أحدّق في الصفحات عاجزة عن استيعاب كلمة واحدة.
حاولت مرارًا وتكرارًا، لكن الأمر كان كما لو أن الكلمات ترفض الدخول إلى ذهني، أو أن عقلي قد أغلق أبوابه أمام أي معلومة.
هذه ليست المرة الأولى التي أشعر فيها بتلك الحالة الغريبة، لكنها كانت المرة التي استفزتني، حتى دفعتني للبحث عن طبيعة ما أمرّ به وأسبابه.
خلال بحثي، تعرّفت على مصطلحات متعددة مثل: الإرهاق الذهني، التعب الذهني، وضباب الدماغ.. وأكثر ما أثار شعوري بالألفة كان وصف "ضباب الدماغ"، لأنه يُشبه بالفعل ما أُعانيه:
أستطيع أن أعيش يومي، لكن عقلي يظل مشوشًا، غائمًا، يرفض التعاون معي.
ما هو ضباب الدماغ؟
وفقًا لمقالة على موقع Cleveland Clinic، فإن ضباب الدماغ هو:
"مجموعة من الأعراض التي تُضعف الوظائف الإدراكية مثل التفكير الواضح، التركيز، الانتباه والتذكر.. كأن عقلك غارق في الضباب، حتى أن المهام البسيطة مثل متابعة محادثة أو تنفيذ تعليمات تصبح صعبة".
أما مقالة Todoist فوصفت الأمر بأنه الشعور بأن "عقلك لا يعمل بكفاءة"، حيث تجد صعوبة في التركيز، تعيد قراءة نفس السطر مرارًا، وتنزعج من تفاصيل صغيرة كانت عابرة سابقًا.
وتم تقسيمه إلى نوعين:
•حاد: مؤقت ويزول مع الراحة.
•مزمن: يتفاقم بمرور الوقت وقد يقود إلى الاحتراق النفسي (Burnout).
وفي مقالة على Healthline كتبتها أدريان سانتوس لونجهيرست وكريستال رايبول، تم التفريق بين:
•الإرهاق الذهني: يصيب التفكير والذاكرة وحل المشكلات.
•الإرهاق العاطفي: يصيب المشاعر مثل الحزن، القلق والغضب.
وكلاهما قد يؤدي في النهاية إلى الاحتراق النفسي إذا تُرك بلا علاج.
وهنا تحديدًا شعرت بالقلق؛ فالوضع لو استمر سيتحوّل إلى ما هو أسوأ بكثير مما أمرّ به الآن.
ولكن؛ لماذا يحدث ضباب الدماغ في المقام الأول؟
بحسب مقالة Todoist، للأمر أسباب متعددة:
•جسدية: سوء التغذية، قلة النوم، اضطرابات الهرمونات.
•إدراكية: إنهاك العقل بالتركيز المفرط أو التشتت بين مهام كثيرة.
•التوتر المستمر: مجرد التفكير في المهام بشكل دائم يستهلك قدرًا من الطاقة لا يقل عن تنفيذها.
وبالنسبة لي، فقد وقعتُ ضحية التشتت والتوتر المستمر معًا، ناهيك عن قلة النوم.. كان عقلي يُطالبني بالتوقف رغمًا عني، وكأنه يصيح بي: "كفى".
ولأن الجسد والعقل ليسا آلة صمّاء، فمن الطبيعي أن يُعاقباني عندما أرهقهما بلا رحمة.
كيف يمكن التعامل مع ضباب الدماغ والإرهاق الذهني؟
من المقالات التي قرأتها (Cleveland Clinic – Todoist – Healthline – NPR):
١- النوم الجيد: منح العقل والجسم وقتًا كافيًا للاستشفاء.
٢- التغذية المتوازنة: تجنّب الإفراط في السكريات والكافيين، وتناول وجبات غنية بالفيتامينات والمعادن.
٣- الحركة والرياضة: حتى المشي البسيط في الهواء الطلق يساعد على تجديد الطاقة.
٤- الابتعاد عن التوتر المفرط: بتقليل استهلاك الأخبار السلبية، وتنظيم المهام بدلًا من محاولة إنجاز كل شيء في وقت واحد.
٥- تغيير الروتين: إذا كان نشاط ما لم يعد ينفعك، غيّره إلى آخر أبسط أو مختلف.
٦- الاستراحات الذهنية: القيلولة القصيرة، التأمل، أو حتى "اللاشيء" لفترة وجيزة.
٧- الدعم الاجتماعي: مشاركة ما تمر به مع صديق أو شخص تثق به يخفف من ثقل الحِمل.
٨- اللطف مع النفس: تقبّل أنك لست في أفضل حالاتك الآن، وهذا طبيعي.
تجربتي مع "ضباب الدماغ" جعلتني أُدرك أن العقل ليس أداةً نضغط عليها بلا حدود، بل كائن حي يحتاج إلى رعاية، مثل أي جزء من أجسادنا، وإهماله يعني أنه سيغلق أبوابه في وجوهنا حتى ننتبه.
وها أنا اليوم، أتعلم أن أبطئ إيقاعي قليلًا، أن أسمح لنفسي بالراحة، وأن أستعيد علاقتي مع القراءة.. لا كواجب، بل كمتعة.. فالأمر في النهاية ليس سباقًا، بل رحلة علينا أن نخوضها بعقل صافٍ وقلب مطمئن.
المصادر:
١.
https://www.healthline.com/health/mental-exhaustion#What-is-mental-exhaustion
٢.
https://my.clevelandclinic.org/health/symptoms/brain-fog
٣.
https://www.todoist.com/inspiration/mental-fatigue
٤.
https://www.npr.org/sections/health-shots/2021/05/06/992401123/if-your-brain-feels-foggy-and-youre-tired-all-the-time-youre-not-alone





تحفه❤️
جميل