قد يبدو من الغريب أن ننجذب إلى قصص القتل والعنف، أن نقضي أوقات فراغنا في الاستماع لتفاصيل جرائم وقعت بالفعل، وأن نستمتع بملاحقة خطوات قاتل متسلسل أو نحاول تخمين هوية الجاني قبل أن يُكشف النقاب عنه في النهاية.. لكن الواقع أن هذا الهوس الجماعي بالجريمة الحقيقية له أسباب نفسية واجتماعية عميقة ومتداخلة، بعضها واعٍ وبعضها الآخر غريزي.
الفضول والغموض.. متعة "اللعب مع الخطر" في بيئة آمنة
يشبه محتوى الجريمة الحقيقية نوعًا من الألغاز المشوقة، فنحن كمشاهدين نُستدرَج لنتقمص دور المحقق، نُجمّع الأدلة، ونتوقع النهاية.
هذا الهيكل السردي يجعل المتابعة ممتعة ومحفزة ذهنيًا، ويمنحنا إحساسًا بالسيطرة والمعرفة دون أن نكون في خطر حقيقي.
هذا الشعور تحديدًا هو ما أشار إليه دين فيدو، محاضر علم النفس بجامعة ديربي للتعليم عبر الإنترنت، حين قال إن رغبتنا في الإثارة تتقاطع مع حاجتنا لفهم العالم، مما يجعلنا نبحث عن محتوى يعطينا "صدمة قصيرة من الأدرينالين" ولكن داخل بيئة آمنة.
فرويد والشماتة اللاواعية
أما التحليل النفسي الكلاسيكي لـ سيغموند فرويد، الطبيب النمساوي ومؤسس علم التحليل النفسي، فيضيف طبقة أعمق لهذا الانجذاب، معتبرًا أن جزءًا من استمتاعنا بقصص الجرائم نابع من "شماتة نفسية" لا واعية؛ لأن الكوارث التي تقع للآخرين تمنحنا شعورًا ضمنيًا بالنجاة والاطمئنان، وكأننا نتأكد أننا لسنا الضحايا هذه المرة.
النساء أكثر اهتمامًا.. لماذا؟
المثير للاهتمام أن الإحصاءات أظهرت أن النساء هن الأكثر ولعًا بهذا النوع من المحتوى.. وقد فسّرت الدراسات ذلك بعدة أسباب، منها أن الضحايا في هذه القصص غالبًا ما يكنّ من الإناث، وأن متابعة تلك القصص تُعدّ بالنسبة للبعض منهن بمثابة تمرين دفاع نفسي وعملي، أو "بروفة استعداد" إن صحّ التعبير.
أماندا م. فيكاري وآر. كريس فرالي، باحثان في جامعة إلينوي الأميركية، توصّلا إلى أن هذا التفاعل قد يحمل بُعدًا علاجيًا، لا سيما للناجيات من العنف، إذ يشعرن بالانتماء حين يجدن قصصًا تُشبه تجاربهن، ويصبحن جزءًا من هوية جمعية متعاطفة.
من سحر الشر إلى قوة النظام القضائي
لا يمكن تجاهل عنصر الصراع الأزلي بين الخير والشر، تلك الحكايات التي تغذي فضولنا منذ الطفولة.. فالقصص التي تتناول دوافع المجرمين ونشأتهم ونظرتهم لأنفسهم تفتح أبوابًا واسعة للتأمل والتحليل، وتمنح المشاهدين إحساسًا بأنهم يملكون "فهمًا أعمق" للطبيعة البشرية.
وفي الوقت ذاته، فإن التركيز في أغلب البرامج على قضايا تم حلّها يعزز الثقة بالنظام القضائي، ويدفع البعض للتعاطف مع الضحايا، بل والمناصرة من أجل التغيير الاجتماعي، كالدعوة لدعم ضحايا العنف المنزلي.
كاثلين تشيك، خبيرة علاج نفسي، ترى أن متابعة هذه القصص تمنح المشاهدين معرفة بكيفية تفكير القاتل، ما يخلق لديهم حاجزًا نفسيًا وقائيًا، ويمنحهم شعورًا بالقدرة على حماية أنفسهم.
كذلك، يرى ريك نيزارديني، اختصاصي اجتماعي إكلينيكي، أن متابعة الجريمة الحقيقية تُحفز المشاعر المكبوتة، كالعجز أو الخوف من العالم، وتطرحها على السطح، ما يُعد بداية لرحلة تعافي نفسية.
بين الترفيه والتأثير
ماريسا هاريسون، أستاذة مساعدة في علم النفس بجامعة ولاية بنسلفانيا، تطرح تفسيرًا تطوريًا لهوسنا بالجريمة، إذ ترى أن اهتمام الإنسان بالمآسي والأحداث المروعة هو وسيلة بقاء غريزية؛ فمعرفة تفاصيل الخطر تساعدنا على تجنبه لاحقًا.
أما كاثرين رامسلاند، أستاذة علم النفس الشرعي بجامعة دي سيلز الأمريكية، فترى أن جانب حل الألغاز في قصص الجريمة هو ما يجذب الناس، بينما يضيف سكوت بون، أستاذ علم الإجرام بجامعة درو، أن هذا النوع من المحتوى يتيح للمشاهدين أن يلعبوا دور "المحقق المنزلي" في تجربة ذهنية محفزة.
أثر واقعي على النظام القانوني
رغم الجانب الترفيهي، إلا أن التأثير الواقعي لا يمكن تجاهله.. فقد أظهرت الدراسات أن ٧٦٪ من الأمريكيين يعتبرون أنفسهم من محبي الجريمة الحقيقية، وأن ٧٢٪ يعتقدون أن هذا النوع من المحتوى يجعلهم أكثر وعيًا بالعالم، و٦٣٪ يرون أنه يُحسّن فهمهم للنظام القانوني.
لكن في المقابل، قد تؤدي هذه المتابعة المكثفة إلى خلق تصورات خاطئة لدى الجمهور وهيئات المحلفين عن كيفية سير المحاكمات الحقيقية، ما قد يُربك سير العدالة أحيانًا.
في الختام:
نحب الجريمة لأننا نخاف منها، ننجذب إلى الظلام لنحاول إضاءة زاوية فيه.
نحاول أن نفهم، أن نتعلم، وربما، في اللاوعي، أن ننجو.. بين المتعة والتحليل النفسي، بين الغريزة والتأثير الاجتماعي، يبقى الهوس بالجريمة مرآة تعكس خوف الإنسان من المجهول ورغبته في النجاة من كل ما يهدد أمنه أو هويته.








خطييييييير❤️❤️❤️❤️❤️
روووووعة! 🖤🖤🖤