منذ اللحظة الأولى، تُعلن الرحلة عن نفسها كرواية مختلفة.. لا تبدأ من البداية، بل من النهاية.
والأدق: من نهاية الجزء الثاني، الذي لم يُنشر بعد.
يختار الكاتب أن يفتح أبواب النص بمقتطف غامض من فصل ختامي لم يصلنا بعد، كما لو أنه يهمس للقارئ:
“لن أمنحك مفاتيح الحكاية، إلا إن قررت أن تعيشها كاملة."
هذه المغامرة السردية تنجح في اجتذاب الانتباه، ليس فقط لجرأتها، بل لدقتها أيضًا؛ فهي ليست حيلة شكلية، بل نواة شعورية تزرع الغموض والقلق منذ السطر الأول.
ميتافيكشن وكسر الجدار الرابع
تستخدم الرواية تقنيات الميتافيكشن، أو ما يُعرف بـ الرواية التي تعي ذاتها؛ أي أن النص يُدرك أنه نص متخيل، ويُذكّر القارئ بأنه يقرأ عملًا روائيًا.
وفي بعض اللحظات، تكسر الرواية الجدار الرابع — ذلك الحاجز غير المرئي بين القارئ والنص — حين تخاطب الشخصيات القارئ مباشرة، أو حين يبدو أن السرد يُعلّق على نفسه ويكشف وعيه بذاته كحكاية.
"حكمت رغم أنف الجميع..
سترحل ولكنني سأجعلك تبدأ الرحلة بجزء من الفصل الأخير!
فلتبدأ رحلتك، اذهب الآن!"
هذا الاقتباس ليس مجرد افتتاح مشوّق، بل إعلان صريح من النص عن تمرده على البناء التقليدي، وعن رغبته في دفع القارئ إلى المشاركة لا الاستهلاك فقط.
هنا، لا يعود الكاتب مجرد راوٍ، بل صانع لعبة سردية يُدخلك إليها من حيث لا تتوقع.
ما بين الرمز النسوي ونفرتيتي المتعددة
الرواية لا تدور حول نفرتيتي وحدها، بل تتخذ منها بوابة للحديث عن قضايا أكبر.
نفرتيتي هنا ليست فقط رمزًا تاريخيًا، بل تجسيد لما يمكن تسميته بـ "الأنوثة القائدة"، ذلك النموذج المعقد للمرأة بين القوة والخذلان، بين الخلود والاختفاء، بين ما كانت عليه وما يُراد لها أن تكون.
تظهر في الرواية من خلال أربع نساء، من عصور وسياقات مختلفة، لكلٍّ منهن صوتها الخاص، وجرحها، وارتباكها:
عالمة آثار تطارد ظل والدها وماضٍ لا تعرفه كليًا.
امرأة تستيقظ على كوابيس عن مصر القديمة، لا تدري إن كانت رؤى أم نداء من الماضي.
فتاة واقعية، لا شيء خارق في حياتها سوى أنها وُضعت في مكان لا تفهمه.
وامرأة ترفض الذكور دون سبب واضح، تشعر أن اسمها ذاته يحمل لعنة.
ما يجمعهن جميعًا هو بحثهن عن إجابة، عن هوية، عن مكان في هذا الزمن.. وفي زمنٍ آخر.
بين الأزمنة: عبور نفسي لا تاريخي فقط
تتنقل الرواية بين عصور متباعدة: من القرن الرابع عشر قبل الميلاد، إلى عام ١٩٩٠، إلى المستقبل القريب ٢٠٢٥.
لكن هذه القفزات لا تخدم تنويع المشاهد فحسب، بل تُستخدم كأداة لبناء التوتر النفسي والتأمل الذاتي.
الزمن هنا ليس خطًا مستقيمًا، بل دائرة معقدة تلتف على ذاتها مرارًا.. ومع كل قفزة زمنية، يزداد وضوح الصورة وارتباكها في آنٍ واحد.
كأن الرواية تقول:
"لفهم من أنت الآن، عليك أن تراجع من كنتَ
ومن كنتَ تظن نفسك".
اللغة: بطلة الرواية الخفية
اللغة في الرحلة ليست مجرد وسيلة للسرد، بل كيان مستقل ينبض بالحياة.
النص مشبع بشاعرية رصينة، غير متكلفة، ويقدّم جملًا تحرّك في القارئ مشاعر متضاربة: رهبة، فخر، حنين، وحتى انبهار.
"أنا صاحبة الألف وجه.. والروح الواحدة.. أنا من بُعثت وستُبعث في كل عصر.. سوف أعود رغم أنف الجميع.. وسوف أُبعث من جديد!"
"فلنستمد من قوة النهر وحكمته ما يجعلنا نتخطى تلك المرحلة، نحاورهم، وننحر في دفاعاتهم من داخلهم، نبث في قلوب جيوشهم النخر، نزرع بينهم من يضعف معنوياتهم، نحاربهم في أرضهم برجالهم، حتى إن أتى الوقت الذي نكشر فيه عن أنيابنا، سيسمعون صوت زئير ملك (كمت) يعلو في سمائهم بأصوات رجالهم فتنكسر عزيمتهم قبل أن يتحرك جندي مقاتل واحد من على أرضنا".
"فالنظر إليكِ عن قرب هو منحة في الحياة الأولى لمن يقدمون له القرابين، فكيف أمِلُّ من التجوك معكِ؛ فإن غربت الشمس علينا مئات المرات لن أمِلّ!"
أحيانًا، تشعر أن الكاتب لا يكتب عن نفرتيتي، بل يكتب معها.. كأنها تجلس بجواره، تملي عليه كلماتها، بكل ما تحمله من ذكاءٍ وغموضٍ وسخريةٍ نبيلة.
توازن بين العمق والمتعة
رغم كثافة الرمزية، وتعدد الطبقات النفسية، والتلاعب الزمني، لا تقع الرواية في فخ التعقيد المتصنّع.
بل العكس، تُحافظ على سلاسة تُشعر القارئ أنه “ينزلق” داخل الحكاية دون أن يشعر بثقل فكري أو جفاف نظري.
وذلك التوازن بين العمق والمتعة نادر جدًا في الروايات التي تمزج بين التاريخ والخيال.
ختامًا..
الرحلة رواية لا تنتهي عند أخر صفحة، بل تترك أسئلتها مفتوحة.
وإذا كانت الرواية قد بدأت بنهاية الجزء الثاني، فأنا – كقارئة – أُراهن أن البداية الحقيقية لم تأتِ بعد.

